المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البؤساء : تسعة عشر سنة سجن مع الاشغال الشاقة من اجل رغيف خبز


Random
29-12-2008, 09:33 PM
رواية «البؤساء» تحكي قصة جان فالجان الإنسان الأمي البسيط الذي امتدت يده إلى رغيف خبز تحت طائلة العوز والجوع، ومن أجل إطعام أخته وأطفالها السبعة الجياع، ولكن المحكمة لم تأخذ بتلك الأسباب وأصدرت حكمها عليه بالسجن خمس سنوات مع الأشغال الشاقة. ولمرارة الحياة في السجن حاول الهرب وأعيد إلى السجن مجددا مع إضافة فترة سجن أخرى على الحكم السابق. ثم تكرر الهرب وإعادته إلى السجن حتى امتدت العقوبة الفعلية إلى 19 سنة.. نعم 19 سنة من أجل رغيف خبز!

وعندما أطلق سراحه سنة 1815 كان إنساناً بائسا ويائسا، وفي الوقت نفسه كان قاسيا وحاقداً على المجتمع الذي لم يرحمه مع أخته وأطفالها السبعة الجياع والذي يجهل مصيرهم الآن، متشوقا لاقتناص الفرصة لإنزال جام غضبه وعقابه على المجتمع، لقد حدّث نفسه: «أن ليس ثمة تكافؤ بين الأذى الذي ارتكبه، وبين الأذى الذي لحق به». شيء واحد استفاد منه في سجنه أنه تعلم القراءة والكتابة والحساب وهو في سن الأربعين.

وقابل الناس جان فالجان بالجفاء والمهانة والطرد بمجرد معرفتهم هويته بعد هذه السنين الطوال وكأنه كلب أجرب منبوذ، طرد حتى عندما عرض مالا كان قد ادخره في السجن مقابل الطعام والمنام، حتى انه لم يسمح له بقضاء ليلة في السجن الذي اعتاد عليه.

رجل واحد فتح له قلبه ومسكنه، انه الأسقف العجوز شارل ميريل أسقف مدينة ديني الرحوم صاحب اليد الطولى في مساعدة الفقراء، المشغول دائماً بمهامه الكنسية ومسؤولياته. ذلك الرجل الطيب الذي كلما امتلأت جيوبه بالمال زار الفقراء، وإذا فرغت جيوبه من المال زار الأغنياء، مسافرا إلى المناطق المجاورة مشيا على الأقدام أو مستعيناً بعربة أو ممتطيا ظهر بغل، كل هذا جعل من قدومه بهجة للناس وأينما حل.

كتب الأسقف ميريل على هامش الكتاب المقدس: «ان باب الطبيب يجب ألا يغلق.. وان باب الأسقف يجب ان يظل مفتوحاً. ولكن جان فالجان الذي لم تهدأ ثورته ضد المجتمع وهو في أول عهده بالحرية سرق من الأسقف الأطباق الفضية الستة مع ملعقة الحساء الكبيرة التي ورثها الأسقف يوما ومن أول ليلة آواه فيها بمسكنه وغادر المنزل قبل خيوط الفجر الأولى.

ولكن الدرك أعادوه إلى الأسقف في اليوم التالي لشكهم بسرقته الأطباق والملعقة وظن جان فالجان انه سيعود إلى السجن مجددا غير ان الأسقف زعم أمام الدرك انه منحه الأطباق والملعقة بل وزاد على ذلك بأن أعطاه شمعدانين كان يستعملهما للإضاءة في منزله وقال له بصوت خافت: «لا تنس أبدا أنك وعدتني بأن تستخدم هذه الآنية الفضية لتصبح رجلا صالحاً!».

اختفى جان فالجان بعدما أثرّ به ذلك الدرس البليغ لاستمرار حياته بكرامة ثم ظهر في مدينة «مونتروي سورمير»، المدينة الصغيرة في الشمال الفرنسي وأصبح يحمل اسم السيد «مادلين» مخفيا حقيقته بعد ان أصلح حاله وحسن أموره المالية وكون ثروة كرجل أعمال ناجح، كما أصبح من أكثر المحسنين في المدينة مؤمنا بأن الخير الذي ينعم به يجب ان يعمم على المعوزين والبائسين والمظلومين، وفتح أبواب التوظيف في معاملته للناس بشرط واحد يعرفه الجميع: «كن أمينا!» ولما تكررت أعماله الخيرية ومعوناته التي وصل صداها إلى الملك اختاره الملك عمدة للمدينة مع رغبة جماعية من الناس الذين حملوه على قبول المنصب بعد رفض وتردد.

وعندما أعلنت الصحف في مطلع سنة 1821 عن وفاة الأسقف ميريل عابقا بعبير الطهارة والقداسة عن عمر يناهز الثانية والثمانين قضاها في أعمال البر والخير، شوهد مسيو مادلين كما أصبح اسمه في صباح اليوم التالي يرتدي ثوب حداد اسود وعصابة سوداء تطوق قبعته حتى أصبح ذلك حديث البلدة واستنتجوا من ذلك انه كان على صلة ما بالأسقف.

استمرت نظرة المسيو مادلين إلى المحتاجين نظرة مفعمة بالألم العطوف المتوسل مطيلا النظر إلى تمثال المصلوب المعلق على الجدار ومطيلا مع ذلك الصلوات للشهيد في الأعالي ولمن هم على الأرض. وسعى لجعل الناس من البشر الملائكة، ومدّ يد العون دون تردد ودون انتظار لجزاء ما فهو ينقذ رجلا من تحت عجلات عربة، ويتبنى «كوزيت» الابنة غير الشرعية لامرأة فقيرة «فانتين» ثم يرعاها ويزوجها من حبيبها «ماريوس».

وتشاء الصدف ان يتهم رجل جائع بالسرقة بعد ان التقط من الطريق العام غصنا فيه بقايا فاكهة. ولما كان هذا الرجل كثير الشبه بجان فالجان فقد وجهت له تهمة السرقة على أنه هو جان فالجان مع ربطها بتهمة سرقة سابقة لنقود طفل اعتقد ان جان فالجان قام بها بعد خروجه من السجن بأيام. اما مفتش الشرطة جافيير فقد كان من أكثر المتحمسين لإلصاق التهمة بذلك الرجل، وشهد أمام المحكمة انه جان فالجان نفسه، ولم يكن هناك احد يشك بصحة شهادة مفتش الشرطة جافيير فهو كان ضمن سجاني السجن آنذاك.

سلم مسيو مادلين أو جان فالجان، نفسه للمحكمة بعد صراع طويل مع الذات وتأنيب ضمير كي ينقذ ذلك الرجل البريء وكشف عن حقيقة نفسه مما عرضه لعقوبة السجن من جديد، وقد نظرت له المحكمة على أنه صاحب سوابق. ولكنه وخلال نقله من مكان إلى آخر مع مجموعة من المحكومين استطاع الفرار والاختفاء من جديد، وقضى بقية حياته طريدا بعد ان تبنى كوزيت الابنة غير الشرعية لفانتين بعد وفاتها وكرس حياته لاسعادها.

توفى فيكتور هيجو الأديب المرموق والمدافع عن العدالة الاجتماعية في الثاني والعشرين من مايو سنة 1885، اثر مرض عضال أصاب رئتيه وشيع في موكب وطني مهيب حضره اكثر من مليوني شخص، واليوم يرقد فيكتور هيجو في مقبرة «البانثيون» مدفن العظماء وسط باريس حيث ولدت روحه كما قال «تحت قوس النصر» احد رموز فرنسا الكبرى.

منقول

Random
19-03-2010, 05:19 AM
http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/9/99/Ebcosette.jpg