ود الحرازي
28-08-2008, 02:23 PM
يا ناس عووووووك ...... البحر كسر ..... البحر كسر
تتعالى الأصوات هذه الأيام وتحذر أجهزة الرصد من تزايد في منسوب النيل ونسمع من هنا وهناك باجتياح سدود وقرى وهكذا بعد أن ألف الناس مظهره الهادئ الوادع وسطحه الفضي اللامع ومجراه النحيل ورمال شطه هاهي الشهور التي يبدأ فيها بالتغير شيئاً فشيئاً قد حان أوانها ... فيبدأ لونه بالاحمرار قليلاً ويتزايد منسوبه مع ازدياد تدفق الأمطار في الهضبة الاثيوبية وتبدأ مسيرته في تسارع مطرِّد فتقع على بصرك مشاهد لم تكن مألوفة من قبل .... فترى الكثير من الأشجار التي بدأ التيار يجرفها وتتساقط من على صفحتي النهر فيما يعرف بالهدام وتشهد حركتها المسرعة أو جذوع نخل خاوية ( فلق ) كانت على الشط فتناولها الهدام ... تراها مسرعة يتجاذبها التيار الى المجهول أو وأنت على القيف ترى فروع شجيرة الفاس تقاوم التيار القوي الذي يسحبها بشدة وتراها متمسكة بأصلها بإرادة الحياة القوية .... وهكذا
من هنا تبدأ المعاناة فالبنطون الذي ألف مشرعه عليه التغيير والبحث عن مشرع بديل والسيارات التي كانت تجد سبيلها سالكا رغم صعوبة ( طلعة البنطون ) ستعاني هي أيضا وربما تغرز في طين المشرع الجديد غير المألوف لديهم ولتغير وضعية البنطون الذي سيغيب عنه الثبات الذي كان ملازما له . والبنطون نفسه بالكاد تجده يغالب التيار ( العرق ) الذي يأخذه لمكان أبعد مما رسمه له ريسه البارع فيتجاوز مرساه على الضفة الأخرى بمسافة أبعد من تلك التي يقطعها بعرض البحر !!!! وتجئ رحلته في البحث عن مشرعه والعودة اليه تحمل العديد من مشاهد الحياة اليومية لأهلنا في الريف فذاك بابور لستر متعب تسمع صوته من بعيد ( تك .. تك .. تك .. تك .. تك ) وترى حلقات دخانه تتصاعد على شكل حلقات دائرية صغيرة وتتلاشى في الهواء ... وهناك مزارع يحش في برسيمه وآخر يقود بقرته وهم يقومون بواجبهم اليومي بهمة ونشاط .... أو في حالات الفزعة الشديدة تجد كماً من الناس يعملون على القيف لرفع طلمبة غمرها البحر على حين غرة أو كاد .... والمزارعين الذين لهم زراعات كثيرة في الجروف أو الجزائر تجدهم يسابقون الزمن سعيا لحصاد محاصيلهم ولمها قبل أن يفوت الأوان ويدركهم الطوفان .....
ومن بين هؤلاء أناس قد اختصهم الله بقضاء حوائج الناس حببهم الى الخير وحبب الخير اليهم فهم المتطوعون لرصد حركة النيل ومنسوبه فما أن ينزل لقضاء أموره الزراعية من حش أو قراعة أو زراعة إلا تجد أنه أول ما يبدأ به ( قص البحر ) أي الوصول إليه وملاحظة منسوبه الذي رآه بالأمس القريب فتجدهم يضعون العلامات والأوتاد لملاحظة الزيادة ويتكرر ذلك منهم في أوقات اليوم المتعددة فيزورونه ظهرا وعصراً ومساءاً وصبحاً أيضاً ... فهم أول من يدعون لتدعيم خط الدفاع الأول ( الجسر الذي على النيل الأصلي ) فتأتي الفزعة العامة من كافة المواطنين وعند اشتداد الأمر تجدهم يتوزعون على ورديات تسهر على مراقبة الجسور وموقف المنسوب وهذه الفزعة معروفة وموروثة جيلاً بعد جيل فلا تراخ عندها وهو ما يعرف بحالة الاستعداد الـ (Standby) التي يكون عليها جميع ناس القرى شيبا وشبابا وأطفالا ونساءاً فتكون وجباتهم على موقع الورديات فالوقوف على الجسور وتدعيمها يعني حماية اقتصادهم وحياتهم وتعمل اللجان المحلية في جلب جوالات الخيش من المجلس المحلي بكريمة ويتم تكملة النقص من تجار الخيش ويستعان بالمحاريت وكافة الامكانات المتاحة لدرء هذا الفيضان المتوقع في مشهد تكاتفي أصيل يتربى عليه الجميع ويخدمون فيه بكل نكران للذات !!!! ويرافق ذلك الكثير من بث الطرف وروح الدعابة والألفة والتكاتف في مشاهد تحكي أصالة الريف والتعاون الفريد ..... على أن مكتوب الجبين لابد تشوفه العين وبالرغم من هذه المجهودات الجبارة يحدث أن ينكسر الجسر بالرغم من حرص كل وردية على أن لا يجيء الكسر من قبلها فتتعالى الأصوات في الليل البهيم الهادئ هدوء القرية نفسها والذي تحمله الرياح ربما يصل للقرى المجاورة كذلك ( يا ناس عووووووووووووووك أوروروروروك !!!.... المروّآآآآآآآآآة ......... البحر كسر ..... البحر كسر ) فتهب اليهم جماعات الحراسة القريبة ويتداعى لهم سائر الناس وحدانا وزرافات في محاولة جادة لانقاذ ما يمكن انقاذه قد ينجحون أحياناً وقد يفشلون فتنغمر مساحة الجزيرة وما بها ويخسر من لم يستطع انجاز مهامه التحوطية في ذلك اليوم !!!! وينتقل الناس بذات الهمة والنشاط الى خط الدفاع الثاني وهكذا حتى يصلون لخط الدفاع الأخير والذي يعني غرق كافة أراضيهم الزراعية وتبقت لهم حماية منازلهم وأرواحهم وممتلكاتهم فقط .... وحتى هذه قد لا تسلم أحياناً ....
ونواصل ....
تتعالى الأصوات هذه الأيام وتحذر أجهزة الرصد من تزايد في منسوب النيل ونسمع من هنا وهناك باجتياح سدود وقرى وهكذا بعد أن ألف الناس مظهره الهادئ الوادع وسطحه الفضي اللامع ومجراه النحيل ورمال شطه هاهي الشهور التي يبدأ فيها بالتغير شيئاً فشيئاً قد حان أوانها ... فيبدأ لونه بالاحمرار قليلاً ويتزايد منسوبه مع ازدياد تدفق الأمطار في الهضبة الاثيوبية وتبدأ مسيرته في تسارع مطرِّد فتقع على بصرك مشاهد لم تكن مألوفة من قبل .... فترى الكثير من الأشجار التي بدأ التيار يجرفها وتتساقط من على صفحتي النهر فيما يعرف بالهدام وتشهد حركتها المسرعة أو جذوع نخل خاوية ( فلق ) كانت على الشط فتناولها الهدام ... تراها مسرعة يتجاذبها التيار الى المجهول أو وأنت على القيف ترى فروع شجيرة الفاس تقاوم التيار القوي الذي يسحبها بشدة وتراها متمسكة بأصلها بإرادة الحياة القوية .... وهكذا
من هنا تبدأ المعاناة فالبنطون الذي ألف مشرعه عليه التغيير والبحث عن مشرع بديل والسيارات التي كانت تجد سبيلها سالكا رغم صعوبة ( طلعة البنطون ) ستعاني هي أيضا وربما تغرز في طين المشرع الجديد غير المألوف لديهم ولتغير وضعية البنطون الذي سيغيب عنه الثبات الذي كان ملازما له . والبنطون نفسه بالكاد تجده يغالب التيار ( العرق ) الذي يأخذه لمكان أبعد مما رسمه له ريسه البارع فيتجاوز مرساه على الضفة الأخرى بمسافة أبعد من تلك التي يقطعها بعرض البحر !!!! وتجئ رحلته في البحث عن مشرعه والعودة اليه تحمل العديد من مشاهد الحياة اليومية لأهلنا في الريف فذاك بابور لستر متعب تسمع صوته من بعيد ( تك .. تك .. تك .. تك .. تك ) وترى حلقات دخانه تتصاعد على شكل حلقات دائرية صغيرة وتتلاشى في الهواء ... وهناك مزارع يحش في برسيمه وآخر يقود بقرته وهم يقومون بواجبهم اليومي بهمة ونشاط .... أو في حالات الفزعة الشديدة تجد كماً من الناس يعملون على القيف لرفع طلمبة غمرها البحر على حين غرة أو كاد .... والمزارعين الذين لهم زراعات كثيرة في الجروف أو الجزائر تجدهم يسابقون الزمن سعيا لحصاد محاصيلهم ولمها قبل أن يفوت الأوان ويدركهم الطوفان .....
ومن بين هؤلاء أناس قد اختصهم الله بقضاء حوائج الناس حببهم الى الخير وحبب الخير اليهم فهم المتطوعون لرصد حركة النيل ومنسوبه فما أن ينزل لقضاء أموره الزراعية من حش أو قراعة أو زراعة إلا تجد أنه أول ما يبدأ به ( قص البحر ) أي الوصول إليه وملاحظة منسوبه الذي رآه بالأمس القريب فتجدهم يضعون العلامات والأوتاد لملاحظة الزيادة ويتكرر ذلك منهم في أوقات اليوم المتعددة فيزورونه ظهرا وعصراً ومساءاً وصبحاً أيضاً ... فهم أول من يدعون لتدعيم خط الدفاع الأول ( الجسر الذي على النيل الأصلي ) فتأتي الفزعة العامة من كافة المواطنين وعند اشتداد الأمر تجدهم يتوزعون على ورديات تسهر على مراقبة الجسور وموقف المنسوب وهذه الفزعة معروفة وموروثة جيلاً بعد جيل فلا تراخ عندها وهو ما يعرف بحالة الاستعداد الـ (Standby) التي يكون عليها جميع ناس القرى شيبا وشبابا وأطفالا ونساءاً فتكون وجباتهم على موقع الورديات فالوقوف على الجسور وتدعيمها يعني حماية اقتصادهم وحياتهم وتعمل اللجان المحلية في جلب جوالات الخيش من المجلس المحلي بكريمة ويتم تكملة النقص من تجار الخيش ويستعان بالمحاريت وكافة الامكانات المتاحة لدرء هذا الفيضان المتوقع في مشهد تكاتفي أصيل يتربى عليه الجميع ويخدمون فيه بكل نكران للذات !!!! ويرافق ذلك الكثير من بث الطرف وروح الدعابة والألفة والتكاتف في مشاهد تحكي أصالة الريف والتعاون الفريد ..... على أن مكتوب الجبين لابد تشوفه العين وبالرغم من هذه المجهودات الجبارة يحدث أن ينكسر الجسر بالرغم من حرص كل وردية على أن لا يجيء الكسر من قبلها فتتعالى الأصوات في الليل البهيم الهادئ هدوء القرية نفسها والذي تحمله الرياح ربما يصل للقرى المجاورة كذلك ( يا ناس عووووووووووووووك أوروروروروك !!!.... المروّآآآآآآآآآة ......... البحر كسر ..... البحر كسر ) فتهب اليهم جماعات الحراسة القريبة ويتداعى لهم سائر الناس وحدانا وزرافات في محاولة جادة لانقاذ ما يمكن انقاذه قد ينجحون أحياناً وقد يفشلون فتنغمر مساحة الجزيرة وما بها ويخسر من لم يستطع انجاز مهامه التحوطية في ذلك اليوم !!!! وينتقل الناس بذات الهمة والنشاط الى خط الدفاع الثاني وهكذا حتى يصلون لخط الدفاع الأخير والذي يعني غرق كافة أراضيهم الزراعية وتبقت لهم حماية منازلهم وأرواحهم وممتلكاتهم فقط .... وحتى هذه قد لا تسلم أحياناً ....
ونواصل ....